أهمية إنشاء درجة ثانية من درجات التقاضي في الجنايات

أهمية إنشاء درجة ثانية من درجات التقاضي في الجنايات

فتحي الجواري

2017-02-14 11:44:00

إن المطالبة بضرورة إنشاء درجة ثانية من درجات التقاضي في الجنايات، يدخل ضمن (أخلاقيات العدالة)، ويعد من (حقوق الانسان)، و(التزاما دوليا)، و(دستوريا)، و(اخلاقيا)، يوجبه القانون، ويفرضه الواقع، ولا تكتمل اخلاقيات العدالة،وضوابط التشريع، الا باقراره. لأن الإقتصار على درجة واحدة للتقاضي في الجنايات، لايهدر حق المتهم في درجة أعلى للتقاضي فقط، بل ينال بصورة مباشرة من اخلاقيات العدالة، وضوابط التشريع، خاصة إذا ما علمنا ان (محكمة التمييز)، ليست درجة من درجات التقاضي، بل هي طبقة أعلى من طبقات التقاضي، تحاكم الحكم المطعون فيه، وتلاحظ مدى التزامه بحكم القانون من عدمه.

فالاستئناف يعتبر من أقدم طرق الطعن وجودا، فهو درجة ثانية من درجات التقاضي، يقوم على أساس فكرة الخطأ المحتمل الصادر من محكمة الدرجة الأولى. فيقوم قضاة الاستئناف بالفحص الثاني للدعوى من خلال خبرة هؤلاء القضاة، فيكون التدقيق أكثر عمقا، ودقة من الفحص الأول الذي قامت به محكمة الدرجة الأولى. فالاستئناف ما هو الا تنظيم إجرائي، يقصد به تصحيح سائر الأخطاء التي قد تكون أصابت حكم محكمة الدرجة الأولى في الواقع، او في القانون، فيعاد النظر في الحكم ليصدر فيه حكم جديد.

فحماية حق الإنسان بوجود درجة ثانية من درجات التقاضي في الجنايات، يتفق والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966، والذي كان العراق قد صادق عليه بالقانون رقم (193) لسنة 1970، ويتفق أيضا ومبدأ حماية حق التقاضي المقرر دستوريا، والمكفول للناس كافة، وبلا تمييز فيما بينهم.

وقد نهج المشرع الفرنسي منذ عام 2000 نحو إنشاء درجة ثانية من درجات التقاضي في الجنايات، مقررا حق الطعن بطريق الاستئناف في الجنايات، من خلال نظام يحقق محاكمة عادلة، ومنصفة كحق هام من حقوق الإنسان، ويحقق التزام الدولة بتصديقها على المعاهدة الأوربية لحقوق الإنسان، وقواعد العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

وقد سارعت التشريعات العربية (في أغلبها الأعم) فتبنت العديد منها، مبدأ التقاضي على درجتين في الجنايات، ومن بينها التشريع الكويتي، والتشريع التونسي، والتشريع المغربي، والتشريع الاردني، والتشريع الإماراتي.

وقد يقول قائل ان القضاء العراقي بما عرف عنه من دقة، وحرص في نظر قضايا الجنايات، قد يغني ذلك عن وجود الدرجة الثانية للتقاضي في الجنايات، الا ان هذا القول رغم وجاهته، يتعارض مع الواقع، بعد أن تزايدت القضايا المعروضة على محاكم الجنايات، وتعقدت، بحيث قد تستعصي على الفهم الصحيح للوقائع أحيانا، والتطبيق السليم للقانون، اضافة لسطحية التحقيق، وعدم جدية الدفاع احيانا، وبالأخص إذا كان المحامي (منتدبا)، الى جانب الإنكار الدائم للمتهمين، والمبالغة الممقوتة من المشتكين، والمدعين بالحق المدني، يؤدي كل ذلك الى تناقض في الأدلة بصفة عامة، وتناقض بين الأدلة القولية منها، والفنية بصفة خاصة.

بين كل هذا وذاك، تدور دواليب العدالة، معتمدة (احيانا) على تقارير فنية تقرر نتيجة دون مقدمات، وتحريات غير نزيهة (احيانا)، فيصدر الحكم في الجناية، وينفذ فورا بحق المحكوم الحاضر حتى مع الطعن المقدم على الحكم، او التدقيق الوجوبي في بعض القضايا (فيما عدا الحكم الصادر بعقوبة الإعدام).

ثم اخيرا هل المال اهم من حياة الإنسان، وحريته، وشرفه؟ وإلا لمَ نهتم بسلوك طريقٍ ثانٍ للتقاضي في القضايا المدنية التي تصدر محاكم الدرجة الاولى فيها أحكاما اذا زادت قيمة الدعوى عن (مليون دينار)، ولا نسلك الطريق الثاني للتقاضي في الجنايات، عندما تكون الاحكام تمس حياة الانسان، وشرفه، وحريته ؟

فأيهما الأهم المال  ؟ أم الانسان وحياته، وحريته، وشرفه ؟


العدد الاخير من صحيفة القضاء
بحث في الموقع
بحث في قرارات المحكمة الاتحادية العليا