الوساطة كوسيلة بديلة لحل المنازعات

الوساطة كوسيلة بديلة لحل المنازعات

فتحي الجواري

2017-04-10 10:34:00

تعد الوساطة من ابرز الوسائل البديلة لحل المنازعات، وهي نظام قديم لتسوية المنازعات عرفته البشرية منذ زمن بعيد، وقد عرفه العرب قبل الإسلام بما سمي (حلف الفضول)، وأرست قواعده، وحثت عليه الشريعة الإسلامية الغراء. وقد أخذت به العديد من الدول خاصة في اوربا الشمالية والولايات المتحدة الاميركية والمملكة المتحدة وفرنسا والاردن والمغرب والجزائر والسودان. حتى اصبح الاخذ بنظام الوساطة نهج دولي تهتم به التشريعات، والمنظمات الدولية، والاقليمية، وتنص عليه الاتفاقات والمعاهدات الدولية، ما ساهم في تأطير هذه الوسيلة، وازدياد العاملين في مجالها في ظل الاهتمام بما عرف بـ (العدالة اللينة). وهذا ما دفع الجهات الدولية الى رعاية هذه الوسيلة، وتقنينها، وتطبيقها على نطاق واسع يتسع يوما بعد يوم.

فالوساطة هي تدخل في نزاع، او عملية تفاوض يقبل بها أطراف النزاع، يقوم بها طرف ثالث بهدف مساعدتهم بطريقة تطوعية على الوصول الى اتفاقية خاصة بهم ومقبولة منهم.

وقد شهدت الوساطة مع تأسيس منظمة التجارة العالمية عام (1995) استحداث نظام متكامل لتسوية النزاعات الدولية التجارية عن طريق اللجوء الى المفاوضات الدبلوماسية التي تشمل المشاورات، والمساعي الحميدة، والتوفيق، والوساطة. وكانت قبلها قد تولت المنظمة العالمية للملكية الفكرية (الويبو) تأسيس (مركز الويبو للتحكيم والوساطة)، وهو هيئة محايدة دولية تقدم خدمات غير ربحية لتسوية المنازعات، حيث تعمل على تسوية منازعات اطراف المنظمة في مجالي الملكية الفكرية والتكنولوجيا بفعالية دون اللجوء الى المحاكم.

كما اشار (القانون النموذجي للتوفيق التجاري الدولي) الذي اعدته لجنة الامم المتحدة للقانون التجاري الدولي واصدرته الجمعية العامة للامم المتحدة في 9/11/2002 الى هذه الوسيلة في المادة الاولى منه : (... بأن يطلب الطرفان الى شخص آخر مساعدتهما في سعيهما الى التوصل الى تسوية ودية لنزاعهما الناشئ عن علاقة تعاقدية او علاقة قانونية ولا يكون لذلك الشخص الصلاحية لفرض حل للنزاع على الطرفين.).

ان الوساطة كوسيلة بديلة لتسوية النزاعات تتوقف على ارادة اطراف النزاع، ويتوقف نجاحها على رغبتهم في ذلك،وتوافر حسن النية لديهم، وعلى دور الوسيط الذي يجب ان يكون متمتعا بالعديد من الصفات والمهارات للقيام بهذه المهمة النبيلة.

وقد توافر للوساطة مميزات عديدة كالسرعة، والمرونة، والسرية، والمحافظة على العلاقات، بحيث اصبحت منافسا قويا للتحكيم، الذي بدا متراجعا بعد ان اثرت عليه العوامل البشرية التي تتفنن في استغلال الثغرات، اضافة الى اتعابه المبالغ فيها، والتي جعلت منه قضاءً للأغنياء، كما ان اقتراب التحكيم من القضاء اضر بخصوصيته ما ادى الى التخلي عنه تدريجيا، واللجوء الى الطرق الودية الاخرى لتسوية النزاعات كالصلح، والوساطة وغيرها، وهكذا اصبحت الوساطة وسيلة مرنة لحل وتسوية العديد من النزاعات.

وتعتمد الوساطة على اتاحة الفرصة لطرفي النزاع لفحص المشكلة في اجتماعات خاصة ومشتركة، بهدف ايجاد حل للنزاع بمساعدة الوسيط، إذ قد يتعذر عليهم التوصل للحل اذا اعتمدوا على جهودهم الفردية . اذ يباشر الوساطة شخص توافرت فيه الشروط التي تؤهله للقيام بهذه المهمة، ولديه الاهلية القانونية للقيام لهذا الدور، وبأن يكون محايدا، ونزيها، ومؤتمنا على ما يطلع عليه من اسرار، وخصوصيات، ومعلومات عن طرفي النزاع.

لضيق المجال (هنا) فلا يمكنني التوسع أكثر في أن ابين للقارئ ما يميز الوساطة عن القضاء، والتحكيم، والصلح، والتوفيق، والمساعي الحميدة، والشفاعة، وغيرها من الوسائل البديلة لفض المنازعات، فلربما سيكون ذلك في موضع آخر.


العدد الاخير من صحيفة القضاء
بحث في الموقع